سيد قطب
2210
في ظلال القرآن
إيمان المتعنتين الذين استفزوه من الأرض ، فأخذهم اللّه بالعذاب والنكال . وتنتهي السورة بالحديث عن القرآن والحق الأصيل فيه . القرآن الذي نزل مفرقا ليقرأه الرسول على القوم زمنا طويلا بمناسباته ومقتضياته ، وليتأثروا به ويستجيبوا له استجابة حية واقعية عملية . والذي يتلقاه الذين أوتوا العلم من قبله بالخشوع والتأثر إلى حد البكاء والسجود . ويختم السورة بحمد اللّه الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل . كما بدأها بتسبيحه وتنزيهه . وقصة الإسراء - ومعها قصة المعراج - إذ كانتا في ليلة واحدة - الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس . والمعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلى وسدرة المنتهى ، وذلك العالم الغيبي المجهول لنا . . هذه القصة جاءت فيها روايات شتى ؛ وثار حولها جدل كثير . ولا يزال إلى اليوم يثور . وقد اختلفت في المكان الذي أسري منه ، فقيل هو المسجد الحرام بعينه - وهو الظاهر - وروي عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - « بينا أنا في المسجد في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبريل عليه السلام بالبراق » . وقيل : أسري به من دار أم هانئ بنت أبي طالب . والمراد بالمسجد الحرام الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به . وعن ابن عباس : الحرم كله مسجد . وروي أنه كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء فأسري به ورجع من ليلته ، وقص القصة على أم هانئ وقال : « مثل لي النبيون فصليت بهم » ثم قام ليخرج إلى المسجد ، فتشبثت أم هانئ بثوبه ، فقال : « ما لك ؟ » قالت : أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم . قال : « وإن كذبوني » . فخرج فجلس إليه أبو جهل ، فأخبره رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بحديث الإسراء . فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب ابن لؤي هلم . فحدثهم ، فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا ؛ وارتد ناس ممن كان آمن به ؛ وسعى رجال إلى أبي بكر - رضي اللّه عنه - فقال : أو قال ذلك ؟ قالوا نعم . قال : فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق . قالوا : فتصدقه في أن يأتي في الشام في ليلة واحدة ثم يرجع إلى مكة قبل أن يصبح ؟ قال : نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك . أصدقه بخبر السماء ! فسمي الصدّيق . وكان منهم من سافر إلى بيت المقدس فطلبوا إليه وصف المسجد ، فجلى له ، فطفق ينظر إليه وينعته لهم ، فقالوا : أما النعت فقد أصاب . فقالوا : أخبرنا عن عيرنا . فأخبرهم بعدد جمالها وأحوالها ؛ وقال : تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمها جمل أورق . فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية - لمراقبة مقدم العير - فقال قائل منهم : هذه واللّه الشمس قد شرقت . فقال آخر : وهذه واللّه العير قد أقبلت يقدمها جمل أورق ، كما قال محمد . . ثم لم يؤمنوا ! . . وفي الليلة ذاتها كان العروج به إلى السماء من بيت المقدس . واختلف في أن الإسراء كان في اليقظة أم في المنام . فعن عائشة - رضي اللّه عنها - أنها قالت : واللّه ما فقد جسد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولكن عرج بروحه . وعن الحسن كان في المنام رؤيا رآها . وفي أخبار أخرى أنه كان بروحه وجسمه ، وأن فراشه - عليه الصلاة والسلام - لم يبرد حتى عاد إليه . والراجح من مجموع الروايات أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ترك فراشه في بيت أم هانئ إلى المسجد فلما كان في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان أسري به وعرج . ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد . على أننا لا نرى محلا لذلك الجدل الطويل الذي ثار قديما والذي يثور حديثا حول طبيعة هذه الواقعة المؤكدة في حياة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - والمسافة بين الإسراء والمعراج بالروح أو بالجسم ، وبين أن تكون